محمود ماضي
118
الوحي القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده
بن عمرو بن نفيل في الجاهلية يطلب الدين وورقة بن نوفل ، فلقيا اليهود ، فعرضت عليهما يهود دينهم فتهود ورقة ، ثم لقيا النصارى فعرضوا عليهم دينهم ، فترك ورقة اليهودية وتنصر ، وأبى زيد بن عمرو بن نوفل أن يأتي شيئا من ذلك . وقال : ما هو إلا كدين قومنا ، تشركون ويشركون ، ولكنكم عندكم من اللّه ذكر ، ولا ذكر عندهم ، فقال له راهب : إنك لتطلب دينا ما هو على الأرض اليوم ، فقال : وما هو ؟ قال : دين إبراهيم كان يعبد اللّه ولا يشرك به شيئا « 1 » . ما سقنا هذا النص إلا لدلالته على فساد ما كان عليه اليهود والنصارى اللهم إلا بقية من الفطرة السليمة ، فضلا عن بشارة الراهب بنبوة محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » . ولنقف قليلا عند قوله « ولا شك أن خديجة قد وقعت تحت تأثيره - أي تأثير ورقة المسيحي - ويمكن أن يكون محمد قد أخذ شيئا من حماسه وآرائه » . في هذا الكلام نشم رائحة التآمر بين خديجة - أم المؤمنين - وابن عمها ورقة - وحاشاهما - ليوقعا بمحمد تحت سيطرة ورقة وهدف المستشرق أبعد من هذه التلميحات . إنه يريد أن يقول : إن محمدا نهل من العلوم النصرانية التي كانت عند ورقة . لذلك نجده يصرح بهذا - بعد ذلك - فيقول « ويبدو أن ورقة من بين الذين اتصل بهم محمد لسبب معرفته بكتب المسيحية المقدسة ، ولا شك أن المقطع القرآني حين ردده محمد قد ذكره بما هو مدين به لورقة . . . ولهذا فمن الأفضل الافتراض بأن محمدا كان قد عقد صلات مستمرة مع ورقة منذ وقت مبكر ، وتعلم أشياء كثيرة وقد تأثرت التعاليم الإسلامية اللاحقة كثيرا بأفكار ورقة . وهذا ما يعود بنا إلى طرح مشكلة العلاقة بين الوحي الذي نزل على محمد والوحي السابق له » « 2 » . يريد « واط » أن يقول : إن النبي محمد « صلّى اللّه عليه وسلّم » مدين بفكرة الوحي لورقة بن نوفل . ما هي إذن حكاية ورقة وعلاقته بنبينا « صلّى اللّه عليه وسلّم » ، كما جاءت في الكتب الصحاح ؟ يروى إمام المحدثين البخاري عن السيدة عائشة - رضى اللّه عنها - قصة بدء الوحي . إذ تقول : « أول ما بدئ به رسول اللّه « صلّى اللّه عليه وسلّم » من وحى الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، فكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع « 3 » إلى
--> ( 1 ) - تاريخ العرب في الجاهلية ص 488 ، 489 . ( 2 ) - محمد في مكة ص 93 . ( 3 ) - ينزع : يرجع .